Post Top Ad- blog3

Saturday, October 6, 2018

سيكولوجية الهفوات وزلات اللسان

نهاد زكي | صحافية ومترجمة 
قام سيجموند فرويد، مؤسس علم النفس الحديث، وعلى مدار موسمين جامعيين بين عامي 1915- 1917، بفكّ شفرة هذه النكات، وغيرها من الهفوات التي يزل بها اللسان، تحت اسم «سيكولوجية الهفوات»، قائلًا: «هذه النزعة إلى التحوير، أو بالأصح المسخ والتحريف نلحظها عند من يقلبون الكلام البريء إلى كلامٍ بذيء، عن قصد، طلبًا للدعابة والتندر؛ ويرسلونه على سبيل النكتة. والواقع أننا حين نسمع أمثال هذه النكات، لا ندري أيقصد بها الدعابة، أم أنها وقعت عن غير قصد، فلتة من فلتات اللسان»؛ إلا أنه يفسرها بعد ذلك قائلًا إن الهفوات ليست وليدة المصادفة؛ بل أفعالًا جدية نفسية لها مغزاها، وتنجم عن وجود قصدين مختلفين.

وعلى الرغم من أن محاضرات فرويد قد ألقيت منذ أكثر من 100 عام، إلا أنَّ سيكولوجية الهفوات أصبحت مجالًا للبحث العلمي، وتم عمل مئات الأبحاث العلمية التي تحلّل شرود الذهن، وفلتات اللسان والسخرية، وما ورائهما من نزعاتنا الداخلية، وحقيقة نوايانا.

«الدعابة بها سمٌ قاتل».. كيف حلل علم النفس السخرية من الغير؟

كانت أولى فلتات اللسان التي تحدّث عنها فرويد في كتابه، هي تحريف الأسماء، وهو أمرٌ شائع بين البشر، أن يحاول المرء أن يشبّه اسم أحدهم بشيءٍ يحط من قدره، وكأنه يعقد مقارنةً بين الشخص وهذا الشيء المقزز، وهو الأمر الذي سيحاول الشخص في ما بعد أن يسوغه في شكل نكتة مُسفة، نوعًا من الدعابة، وهو ما فسره فرويد أنه نابع عن قصدٍ مُشين.
أما توماس فورد، وهو أستاذ علم النفس الاجتماعي بجامعة كارولينا، فيشير إلى أن هذا النوع من التحيّز المُهين المخفي في عباءةٍ من المرح والفكاهة قد تبدو في ظاهرها غير ضارة وتافهة؛ إلا أن مجموعة كبيرة من أبحاث علم النفس، تشير إلى العكس تمامًا؛ إذ تعزّز تلك العبارات التافهة من التمييز والعنصرية ضد بعض الجماعات، مما يحمل الكثير من الناس في ما بعد على إخفاء حقيقتهم ومعتقداتهم؛ لأنهم يخشون انتقادات الآخرين، لكن هل هناك فرق ما بين الإهانات الصريحة، والسخرية من الآخرين؟
يشير علماء علم النفس إلى أن هناك تداخلًا كبيرًا ما بين الإهانات الصريحة والسخرية بشكل مهين؛ لكن ما يميّز الإهانات الصريحة هو أنها تحقّق هدفها في جرح الآخرين بأقل جهد ممكن، غير أن النكات طريقة ذكية للهروب من عواقب الإهانة، في حين أن الإهانات الصريحة تطلق جماح الغضب، لكنهما في كلتا الحالتين يستغلان نقطة ضعف الهدف –الشخص المُهان– ورغباته غير المرغوب فيها، وهذا النوع من الإهانات، بحسبهم، ليس مقصورًا على منطقة جغرافية معينة، أو عرق ونوع محدد؛ بل يمكن أن تجده في المنزل، وبين أصدقاء العمل والدراسة.

أما السبب الذي يحمل البعض على إهانة الآخرين، وإلحاق الضرر بهم، يقول عنه الشاعر والرسام الألماني هيرمان هيسه: «إن كنت تكره شخصًا؛ فأنت تمقت شيئًا في داخله يُذكرك بجزء من نفسك، لأن ما ليس جزءًا من أنفسنا، لا يزعجنا».
وهو ما يؤكده علماء النفس، مُشيرين إلى أننا جميعًا نتمتّع بشخصية مخفية، لا نودّ أن نكشفها للآخرين أو نتحدث عنها؛ وهي المكان الذي نخفي فيه صفاتنا السلبية التي نعتقد أنها غير مرغوب فيها ممن حولنا، وكل الإساءات النفسية والجسدية والعاطفية التي عانينا منها يومًا. وعن هذا تقول إيفا جاجوني، وهي طبيبة نفسية إكلينيكية في المركز الأمريكي للطب النفسي والعصبي في أبوظبي: «عندما يقمع الشخص مخاوفه ومشاعره، مثل افتقار احترام الذات والأفكار والسلوكيات المهزومة ذاتيًّا والشعور بالذنب؛ فإنه يتعامل مع هذا الغضب النامي داخله عن طريق توجيه الإهانات للآخرين، وذلك للهروب من التعامل مع الألم، أو لممارسة السيطرة من موقف قوّة على شخصٍ آخر أكثر ضعفًا».
تشير جاجوني إلى أن الناس يهينون بعضهم البعض لأنهم ببساطة لا يعرفون طريقة أفضل من الأنماط الاعتيادية للبيئات التي نشأوا بداخلها، وهي المنزل والمدرسة والعمل؛ إذ تصبح الإهانات والسخرية أحيانًا عادة للتعامل مع المشكلات التي تواجههم، ويشمل ذلك وسائل الإعلام بمختلف أنواعها، ومنها ألعاب الفيديو وعروض الرسوم المتحركة، والتي تحفّز أحيانًا نوعًا من العنف تجاه الآخرين داخل الأطفال في سن النشأة.
تمنح السخرية الشخص المعتدي إحساسًا بالقوة والفتوة، وهو الأمر الذي ينتج منه في ما بعد ضحايا لتلك السخرية، خاصةً في سنوات النشأة للطفل، ومراحل التعليم الأولى، وذلك إن كان يواجه نوعًا من الاستهزاء بين أقرانه.

تعتبر السخرية عنصرًا أساسيًّا في فن الإساءة الاجتماعية؛ وما لا ينتبه إليه الكثير من الآباء هو أنّ التنمّر والسخرية من الآخرين أمر منتشر بين الأطفال في التعليم الحديث، وهو بالنسبة إلى علماء النفس شيء لا يجب اعتباره مجرّد مرحلة؛ فالكثير من الآباء ينصحون الضحايا بتجاهل المعتدي حتى يشعر بالملل ويكفّ عن التنمّر؛ مما يصيب الضحايا بجروحٍ لا تندمل مدى الحياة، وهو الأمر الذي يجب أن يتعامل معه الآباء باهتمامٍ أكبر، وذلك لأن العواقب على الأطفال والشباب في فترة المراهقة قد تكون وخيمة، إذ قد تقودهم إلى إدمان المخدرات طريقًا للهروب، أو الانتحار في أحيانٍ كثيرة.
وفي الآونة الأخيرة نما نوعٌ من البلطجة الإلكترونية، وهو شكل من أشكال السخرية العامة التي تحدث على وسائل التواصل الاجتماعي؛ سواء كان ذلك في شكل صورة أو فيديو أو نص، وتكمن خطورتها في سرعة انتشارها بين جمهور كبير جدًا في فترة زمنية قصيرة، وغالبًا ما يكون ضحايا هذا النوع من التنمر الافتراضي، هم ضحايا في العالم الواقعي أيضًا، وهو الأمر الذي يؤدّي إلى تحريف نفس الشخص؛ فيصبح أكثر عرضة للاكتئاب والقلق، وقد يعاني من افتقار احترام الذات والعزلة الاجتماعية والخوف.

في فلتات لساننا.. هل نقول ما نعنيه حقًّا؟

السخرية المؤذية لم تكن هي الهفوة الوحيدة التي تحدث عنها فرويد في كتابه؛ بل شمل معها فلتات اللسان، وزلات القلم، وعثرات القراءة، ليصبح للهفوات مفهومٌ أعمق يشمل نسيان أشياء بعينها، واستحالة عثور الإنسان على أشياءٍ قد حفظها من قبل، وتشتّت الانتباه، فهل يتساوى تفسير السخرية من الآخرين والهفوات الأخرى على حدٍّ سواء؟
يجيب عن هذا السؤال سيجموند فرويد قائلًا: «أمّا سؤالكم الثاني عما إذ كان هذا التفسير ينسحب على الأنواع الأخرى من الهفوات، فسوف أجيب عنه مسبقًا بالإيجاب، وسترون أنّي على حق في هذا حين نضطلع بفحص أمثلة من زلات القلم والخطأ في تنفيذ الأعمال وغيرها».
يميل الكثير من الباحثين إلى تفسير بعض فلتات اللسان وأخطاء القلم وغيرها من الهفوات إلى اضطرابات الدورة الدموية، وشرود الذهن والتعب والاهتياج واضطراب الانتباه؛ وعلى الرغم من أن فرويد لا ينكر تأثير المرض الطفيف، واضطرابات الدورة الدموية على بعض الحالات، إلا أنه يؤكد أن العوامل الفسيولوجية ليست شروطًا ضرورية لحدوث الهفوات، إذ إن الهفوات تحدث أيضًا في تمام الصحة، وفي ظروفٍ سوية لا أثر للمرض فيها، ولا الاضطراب.

يرى فرويد أن الهفوات في مكنونها ظواهر ذات معنى، يمكننا أن نتبينها؛ إذا ما قمنا باتباع قاعدة «التداعي الحر»، وذلك بالنظر إلى الحوادث والملابسات التي قد سبقت وقوع الهفوة، هذا إضافةً إلى تاريخ الفرد النفسي؛ إذ إنها بالنسبة إلى فرويد أفعال تحدّدها أسباب، وتصدر عن منطق لا شعوري، ونزعة خفية ودفينة؛ إذ إنه بالنسبة إلى علم النفس، لا شيء يحدث بمحض الصدفة في مجال السلوك والحياة النفسية. فيشير فرويد إلى أن حدوث مثل هذه الهفوات ينتج من وجود نزعتين متداخلتين بالنفس البشرية: «نزعة دخيلة»، و«نزعة أصيلة». والهفوة تعبّر عن الصراعات النفسية الداخلية التي تحاصر الفرد؛ إذ تتحرر النزعة اللاشعورية معبرة عن نفسها دون قصدٍ منا، ولكنها في الأصل هي غايتنا، أو ما نقصده حقيقةً.

سيجموند فرويد
أفرد فرويد كتابًا كاملًا عن الهفوات وتحليل ظواهر سلوكيات الحياة اليومية البسيطة والتافهة، والتي تصدر من دائرة العمق اللاشعوري -اللاواعي- وأطلق عليه «علم النفس المرضي للحياة اليومية»، إلا أنّ الناقد والباحث الفرنسي رينيه بومبيي، قد نقد نظرية فرويد في كتابه «علم نفس الحياة اليومية»، مستشهدًا بالأمثلة الفرويدية نفسها، باحثًا عن تفسيراتٍ أخرى، وذلك لإثبات أن كلّ الأمثلة الفرويدية يمكن تحليلها بطريقة أخرى غير طريقة فرويد؛ إذ فسّر فرويد نسيان أسماء الأعلام أو خلط الحروف فيها دون قصدٍ منّا عند نطقها بالازدراء والغيرة والأنانية من الشخص، وغيرها من وسائل قمع المشاعر التي نتحصن بها حتى لا نفضح شعورنا الحقيقي تجاه شخصٍ ما. إلا أن بومبيي يستشهد بمثال فرويد نفسه ويفسّره بأن أسماء الأعلام التي تتضمن أربعة أو أكثر من الحروف الساكنة المتتالية ليست سهلة التذكر؛ وهو الأمر الذي يجبرنا أحيانًا على النسيان أو الخطأ.
في الحقيقة اعتقد معاصرو سيجموند فرويد، ومن بينهم رودولف ميرينغر، الأمر نفسه أيضًا، إذ كان لديه تفسير أقل إثارة للقلق عن أخطاء اللسان سواء في الحروف أو الكلمات، قائلًا: «الخطأ هو خطأ، مجرد قشرة موز تعثر الجملة في طريقها للخروج». وفي تقرير لموقع Psychology Today، عن الهفوات وزلات اللسان، تمت الإشارة إلى أن رؤية ميرينغر للهفوات هي التي يؤكدها العلم اليوم؛ إذ ركزت الأبحاث الحديثة على عملية إنتاج الكلام نفسها داخل الدماغ، وكيف يترجم العقل الأفكار إلى كلمات، إذ تترابط المفاهيم والكلمات والأصوات في ثلاث شبكاتٍ دماغية، ليتجمعوا في عملية يطلق عليها «تنشيط الانتشار»، وهي الطريقة التي نتداول بها الكلمات بين بعضنا البعض وننشرها، والذي يحدث في بعض الأحيان هو تعثر في تلك العملية، ينتج منها فلتات اللسان، وهو الأمر الذي عزاه إلى أن الإنسان قادر على إنتاج 150 كلمة في الدقيقة الواحدة، مُشيرًا إلى أن زلات اللسان أمر شائع بين كل ألف كلمة؛ وهو بمثابة زلة لسان كل سبع دقائق.
يشير التقرير إلى أن الغالبية العظمى من زلات اللسان ليست أكثر من عمليات تنشيط غير صحيحة في شبكة الكلام، وليس لكل خطأ معنى، إلا أن هناك بعض فلتات اللسان مثيرة للريبة، وهو الأمر الذي يغذي رغبة التحليل النفسي لما وراء هذا النوع من الفلتات، لتصبح نتيجة رغبة دفينة في اللاوعي، هي المسئولة عن تنشيط عقد الكلام الخاطئة. وعلى الرغم من أن تلك الفلتات أقرب إلى تفسير فرويد من تفسير ميرينغر، إلا أن التفسير الأكثر ملائمة، بحسب التقرير، هو أن فلتات اللسان تحدث عند التفكير بكلمة قد سمعها المرء أو فكر فيها أو قالها مؤخرًا؛ إذ من المحتمل أن تتداخل الكلمات التي تخطر ببالك عند الكلام، مُشيرين إلى أن اللاوعي بالتأكيد له دور مهم في زلات اللسان، كما يقول دانييل فيجنر، إلا أن الأمر لا يحدث كما أشار إليه فرويد.
يشير فيجنر، وهو عالم نفسي بجامعة هارفارد، إلى أننا كلما حرمنا فكرًا معينًا، كانت قابليتنا للتفكير فيه أكبر، والذي يقود في النهاية إلى التعبير عنه بالكلمات بطريقة لا واعية، فيشير فيجنر إلى أن العقل الواعي كلما أراد كبح فكرة معينة، كان اللاوعي أكثر انتباهًا بشأنها حتى لا نفكر فيها، وهو الأمر الذي يأتي عادةً بنتيجة عكسية، وتكون النتيجة هي التفكير في هذا الشيء تفكيرًا أكبر.
وفي الوقت الذي كان يفكر فيه فرويد بالجانب المظلم من اللاوعي، على أنه هويتنا المخفية ونتيجة لرغباتنا المكبوتة وحقيقتنا، يقودنا فيجنر إلى تفكيرٍ آخر أكثر تحضرًا، وهو أن اللاوعي يضع في الاعتبار دائمًا أسوأ الاحتمالات والسيناريوهات، وذلك لحمايتنا منها.

Post Top Ad-blog4