Post Top Ad- blog3

Wednesday, November 14, 2018

لماذا يبالغ كثير من الناس في قدراتهم ويعتقدون أنهم أذكى من غيرهم؟


قام فريق من علماء النفس بجامعة كوينز لاند بدراسة على بعض طلاب الجامعة عن طريق سؤالهم: هل تعتقد أن لديك معدل ذكاء أعلى من المتوسط؟ مع العلم بأن الأشخاص الذين يمتلكون ذكاء أعلى من المتوسط هم ١% فقط من البشر، فكانت النتيجة أن 25% من الطلاب يعتقدون أن لديهم مستوى ذكاء أعلى من المتوسط، وهذا غير معقول؛ لأنه لا يوجد سوى 1% فقط من البشر، الذين يمتلكون معدل ذكاء أعلى من المتوسط.

 إذًا لماذا يعتقد العديد من الناس أنّ لديهم قدرات استثنائية، وأنهم أفضل من غيرهم، على الرغم من عدم وجود أي دليل على ذلك؟

 السبب: أن الإنسان البدائي احتاج إلى أن يعيش في جماعات كي يوفر لنفسه الغذاء والحماية، فوجودك في جماعة سيزيد فرصك في البقاء، ولذلك كان الإنسان البدائي يحرص أن يكون ذا صورة جيدة أمام قبيلته، ويتلقى منهم الاستحسان؛ لأنه بذلك سيضمن لنفسه البقاء، وسيكون مقبولًا داخل الجماعة، بالإضافة إلى ذلك فعندما يكون له صورة جيدة أمام قبيلته سيضمن لنفسه زوجة جيدة، فلا أحد في القبيلة يمكنه أن يُزوج ابنته من شخص منبوذ من القبيلة. فإذا اعتمد الإنسان البدائي على الكذب وتظاهر بأن لديه قدرات استثنائية أمام قبيلته لكي يلقى منهم قبولًا، ويعزز فرصه في البقاء وهو يعلم في قرارة نفسه أنّه يكذب على القبيلة سيدركون ذلك بسهولة؛ لأننا البشر لدينا القدرة على إدراك الكذب من خلال لغة جسد الشخص الذي يتحدث أمامنا، ولكن ماذا إذا كان مَن أمامنا يعتقد حقًا بأن لديه قدرات استثنائية! حتى وإن لم يكن له نصيب منها؛ سيكون من الصعب علينا أن نعرف أن هذا ليس حقيقيًا لأنه هو نفسه لا يعرف هذا. لذلك قام الإنسان البدائي بتطوير هذه الصفة فيه، كي يُعزز فرصه في البقاء ويضمن القبول من جماعته، فنحن نخدع أنفسنا من أجل أن نخدع الآخرين.
كثير من الناس لديهم صورة إيجابية عن أنفسهم فيما يتعلق بقدراتهم ومهارتهم الخاصة، بينما آخرون يرون أنفسهم غير جيدين بما فيه الكفاية، ويميل معظم الأصحاء نفسيًا إلى المبالغة في قدراتهم، ويكون لديهم اعتقاد بقدرتهم على إنجاز المهام الصعبة حتى لو لم يقوموا بهذا الشيء من قبل، فهم يعتقدون أنهم يستطيعون القيام به وذلك لأن لديهم بعض الأوهام الإيجابية عن أنفسهم. بينما من يعانون من الاكتئاب يكون مستوى تقديرهم للذات منخفضًا ولا يمتلكون هذه الأوهام الإيجابية التي توجد لدى الأصحاء. في الطب النفسي في الستينات كان يُعتقَد بأن الأشخاص المكتئبين يرون العالم حولهم بطريقة سلبية، وكان دور الأطباء النفسيين هو أن يساعدوهم في التخلص من طريقة التفكير السلبية التي يرون بها العالم، وأنهم إذا استطاعوا رؤية العالم بالشكل الذي هو عليه بدلًا عن تلك الطريقة السلبية سيتخلصون من الاكتئاب، ولكن بعد القيام بعدة تجارب على بعض مرضى الاكتئاب؛ اتضح أنهم يرون العالم كما هو بشكل محايد، بينما الأشخاص الأصحاء يكون لديهم نوع من الأوهام الإيجابية عن الواقع. بالإضافة إلى ذلك فقد اعتقد علماء النفس بأن انخفاض مستوى تقدير الذات له علاقة برسوب الطلاب في الامتحانات وإدمان المخدرات والفقر وفشل الناس في حياتهم العملية؛ لأن الأشخاص الذين لديهم مستوى عال من تقدير الذات كانوا ناجحين في حياتهم العملية، وكانوا يعتقدون بأنهم إذا قاموا برفع معدل تقدير الذات لدى هؤلاء الناس سيؤدي ذلك إلى حل العديد من المشكلات التي يعاني منها المجتمع. وبعد القيام بعدة تجارب، وجدوا أن هؤلاء الأشخاص الناجحين لديهم مستوى عال من تقدير الذات بسبب نجاحهم، فهم ليسوا ناجحين بسبب أن لديهم مستوى عاليًا من تقدير الذات، بل إن ارتفاع مستوى تقدير الذات كان نتيجة لنجاحهم، ولكن ليس سبب نجاحهم. ووجدوا في النهاية أنه إذا كان لديك مستوى عال من تقدير الذات فإنه لا يؤثر بشكل كبير على نجاح الشخص أو فشله.

ولكن هل هناك فائدة من كونك شخصًا ذا مستوى عال من تقدير الذات؟

يعتقد علماء النفس أن الأشخاص الذين لديهم مستوى عال من تقدير الذات، يميلون لاتخاذ المبادرات؛ فمثلًا الأطفال الذين يرفعون أيديهم في الصف للإجابة عن أسئلة المدرس يكون لديهم مستوى عال من تقدير الذات؛ لأنهم يعتقدون بأنهم دائمًا يعرفون الإجابة الصحيحة حتى إن كانوا مخطئين، والفائدة الثانية هي أن هؤلاء الأشخاص يكونون أكثر سعادة من غيرهم، وسبب ذلك أنه عندما يمر هؤلاء الأشخاص بمواقف صعبة، يكون لديهم مرونة وقدرة على المقاومة، على عكس الأشخاص ذوى المستوي المنخفض من تقدير الذات، فهم عندما يمرون بمواقف عصيبة فإنها تؤثر عليهم بشكل سلبي، وفي بعض الأحيان قد يؤدي هذا إلى الاكتئاب بسبب افتقادهم إلى المرونة والقدرة على التعامل مع تلك المواقف. ويعتقد علماء النفس بأن انخفاض مستوى تقدير الذات قد يؤدي في بعض الأحيان إلى الاكتئاب.

 ولكن ما الذي يؤدي إلى النجاح حقًا؟

بعد القيام بعدة أبحاث وجد العلماء أن العامل الأساس الذي يؤدي إلى النجاح هو التحكم بالذات، وهو القدرة علي التحكم في المشاعر والأفكار والسلوك عند مواجهة الإغراءات التي تواجهنا عند محاولة تحقيق هدف معين، فمثلًا إذا كنت تريد تعلم لغة جديدة فيجب عليك تخصيص ساعتين كل يوم لممارسة هذه اللغة، ولكنك ستقابل عدة إغراءات مثل الخروج مع أصدقائك، أو استخدام مواقع التواصل الاجتماعي، بدلًا عن ممارسة اللغة، وهنا يأتي دور التحكم في الذات فإذا كانت لديك القدرة على مقاومة تلك الإغراءات، وتحقيق هدفك، دون شك ستصبح شخصًا ناجحًا، الخبر الجيد هو أن التحكم في الذات صفة مكتسبة ويمكن تحسينها بالممارسة على المدى الطويل. وفي النهاية أن يكون لدينا تقدير لذواتنا له بعض الفوائد، ولكنه ليس بهذه الأهمية التي يتصورها البعض؛ فهو مجرد عامل ثانوي، بينما العامل الأهم كما بيَّنا هو القدرة على التحكم في الذات، وقد أثبتت تلك الدراسات أن الأطفال الذين لديهم قدرة على التحكم في الذات يحصلون على درجات أفضل في المدرسة ويصبحون ناجحين في المستقبل، وعلاوة على ذلك فإن هؤلاء الأشخاص يكونون أكثر سعادة؛ لأن لديهم مرونة وقدرة على التعامل مع المواقف الصعبة، وتلك المرونة تجعلهم تحت ضغط أقل في حياتهم بعكس الأشخاص الذين يفتقدون لتلك المرونة. فهذا هو العامل الأهم للنجاح في الحياة العملية، بالإضافة إلى أنه يؤدي إلى رفع مستوى تقدير الذات.

Post Top Ad-blog4