Post Top Ad- blog3

Tuesday, December 11, 2018

الأضرار النفسية لشبكات التواصل و سبل الوقاية

علي شهاب

تُحَدِّث رابطة عُلماء النفس الأميركيين باستمرار تعريفات الأمراض والإضطرابات النفسية بما يتلاءم مع التطوّر البشري على مختلف الصُعد.

بعد إدمان الإنترنت، صار إدمان "الهواتف الذكيّة" اضطراباً مألوفاً تُخصَّص له مراكز تأهيل وعلاجات مُحدَّدة.
تختلف أعراض الاستخدام "الزائِد" للهواتف الذكية من اضطرابات السلوك، إلى أعراض جسدية، فاختلالات عقلية (كفُقدان التركيز والنسيان المَرَضي).
وضمن هذه الأعراض، تختلف درجة "الإصابة" والتأثّر لدى كل مُستخدِم تبعاً لعوامل عديدة، فتتراوح شدّتها من العدوانية الملحوظة وتقلّبات المزاج الحادّة إلى حدود الأمراض العقلية الخطيرة.
وقبل هذا كله، فإن لحظة استخدامنا لأدوات "التواصل" هي في الحقيقة لحظة إنسلاخ عن الواقع. وهذا بحد ذاته واحد من أكثر العوامل خطورة التي ينتج منها فقدان السيطرة على الذات، اتّكالية على الآخرين، مَلَل سريع واهتزاز الثقة بالنفس.
في حال "واتسآب"، تتحدّث بعض الدراسات النفسية عن "اضطراب الشخصية الحدّية" كنتيجة للاستخدام المُفرط لهذه الأداة.
وتشير أبحاث مؤسّسة "مايو كلينك" الشهيرة العامِلة في المجال الطبي إلى أن هذا النوع من الإضطراب يؤدّي إلى عدم استقرار في العلاقات، وتشوّه في الصورة الذاتية واندفاعاً في العواطف. كما أن المُصاب بهذا الإضطراب قد يعاني صعوبات في تحمّل الوحدة وحالات حادّة من العدوانية تجاه الآخرين، على الرغم من حاجاته إلى الشعور بالحب والعطف من الآخرين لمواجهة شعور الوحدة.
وغالباً ما يُطور المصابون بـ"إضطراب الشخصية الحدّية" خوفاً من النبذ، فيلجأ المُصاب إلى اتخاذ إجراءات "متطرّفة" بهدف تجنّب هذا الخوف، كما أنه يُبدّل أهدافه بسرعة ويولّد في ذاته شعوراً بالإضطهاد كما السلوك المُندفِع وردّات الفعل المُتهوّرة، وصولاً إلى السلوك "الإنتحاري".
ومن اللافت أن عوارض الوحدة والتقييم المُنخفض للذات تكاد تكون مشتركة في جميع الدراسات النفسية التي تناولت مُستخدمي الإنترنت عموماً.
"اضطراب الشخصية الحدّية" واحد من اضطرابات كثيرة تجري دراستها وملاحظتها لدى العلماء والباحثين في عِلم النفس، لكن الخوض في ذِكرها وشرح أعراضها لا يسعه مقال صحفي. ومن الأفضل دوماً توخّي الحَذَر عند تناول أيّ موضوع يرتبط بعِلم النفس في الإعلام كون مصطلحاته من الدقّة بمكان يصعب معها على عامة الناس إدراكها بالشكل الصحيح، بعيداً عن المفاهيم الشعبية.

والمشكلة أن الكثير من الناس لا يُميّزون أصلاً بين الحاجة إلى مُعالِج نفسي مُختصّ أو طبيب نفسي، فمعرفة الفارِق بين الإثنين هامة في المُعالجة الناجِعة. وتزداد الأمور سوءاً في المجتمعات النامية، حيث لا رقابة على الأطباء أو المُعالجين النفسيين، وحيث يسهل الحصول على الأدوية الخطرة لحالات يمكن علاجها أحياناً بعلاجٍ سلوكي معرفي لا بالعقاقير. كما أن بعض الحالات لا يمكن علاجها إلا بتدخّل كيميائي عبر الأدوية والعقاقير بعد أن انتقلت الحال إلى مرض عقلي بامتياز لن تنفع معها أية محاولات إقناع أو حديث أو ردع نفسي أو ديني أو قانوني.

الوقاية خير من قنطار علاج

مع تحوّل شبكات التواصل الاجتماعي إلى جزء رئيس في حياتنا، كما الإنترنت عموماً، فنحن مُعرّضون بشكلٍ أكبر للمُعاناة من اضطراباتٍ نفسيةٍ عديدة.
على أن الوقاية الأفضل لجميع الاضطرابات في حالتها الأوليّة تكمن في الرجوع إلى الواقع، وتعزيز التواصل الاجتماعي الحقيقي لا الإفتراضي، وممارسة رقابة ذاتية بالدرجة الأولى، مع إيلاء الأمور البسيطة في حياتنا الاهتمام اللازِم بدل البحث عن مشاعر خادِعة عبر أدوات إفتراضية.
ويمكن إيجاز بعض النصائح الهامة في مجال التعامل مع شبكات التواصل كالتالي:
  • خصِّص وقتاً مُحدَّداً لتصفّح شبكات التواصل، بشكلٍ لا يؤثّر على اتّزانك الشخصي.
  • أغلق كل "الإشعارات" وتجنّب وسائل التشتيت أثناء العمل أو عند ممارسة حياتك الطبيعية.
  • إياك والإنجرار إلى موجات التعليق على القضايا التي تنتشر بسرعة في شبكات التواصل. يمكنك بسهولة ملاحظة كمية "الكراهية" أو التفاهة التي تحويها حملات المُغرّدين على تويتر حول وَسم مُعيّن. فكّر دوماً بالمضمون الذي ستقدّمه للآخرين ولنفسك عند المشاركة.
  • من المفيد أن تعتاد في حياتك اليومية على تصنيف كل نشاطاتك وأفعالك إلى "مهم، ضروري، عاجِل، وعادي". في الواقع، إذا ما سألت دوماً نفسك السؤال: "هل ما سأقوم به ضروري، أم عاجل أم هام أم عادي؟" قبل صرف وقتك على أيّ فعل، ستجد بعد فترة أن معظم ما تفعله طوال اليوم ليس "عاجلاً ولا ضرورياً"، وأن التوتّر الذي نعيشه هو نِتاج "وهْمي" لنمط السرعة في عصرنا لا نتيجة حتمية يجب أن نخضع لها. تنطبق هذه القاعدة على استخدامنا لشبكات التواصل: هل من الضروري التعليق أو نشر الصورة؟ هل يجب الردّ فوراً على كل رسالة تصلنا؟
  • تجنّب التعليق قدر الإمكان وفتح سجالات أو نقاشات على شبكات التواصل، سواء على حساباتك أمْ حسابات الآخرين. لا يمكنك إقناع أحد برأيك عبر هذا الأسلوب، كما أنك لا تمتلك الإحاطة اللازمة بظروف وموقف ووضع الطرف الآخر في اللحظة التي يستقبل فيها رسالتك أو تعليقك.
  • كن مُختصراً وموجزاً ومباشراً. ابتعد عن الإطالة في نقل انطباعاتك الشخصية ومشاعرك عبر شبكات التواصل. ركّز على الحقائق لا المشاعر والانفعالات.
  • مهما كان ما تفعله على شبكات التواصل، فهو ليس بأهم مما يجب أن تفعله في يومك.
  • حاول تحديد أوجه استفادة عملية من شبكات التواصل؛ كالاطّلاع على محتوى جيّد، نشر قِيَم أخلاقية، أو نقل معرفة في تخصّص مُعيّن.
  • لا تستخدم هاتفك ليلاً. ابتعد عن هاتفك عند إنتهاء عملك. بات من المؤكّد ارتباط استخدام الهاتف الذكي والأجهزة اللوحية بالأرَق واضطرابات النوم، مع ما تحمله هذه الأمور من اضطرابات نفسية وعقلية أشدّ خطورةً.
  • تذكّر دوماً أن كل حركة منك، سواء كانت نقرة أو "إعجاب" أو قراءة أو فتح صفحة او إغلاق أخرى، هي "بيانات" يجري جمعها من دون أن تدري لصالح شركات عملاقة تدرس سلوكك في استخدام شبكات التواصل والأنترنت، بهدف "اصطيادك" عبر منتجات جديدة وإعلانات تُحاكي ضعفك! حافظ على خصوصيّتك قدر الإمكان ولا تجعل من نفسك صفحة مفتوحة أمام العالم.