في إحصائية قد تكون صادمة للكثيرين، ترك أكثر من 30 مليون شخص وظائفهم في العام 2021 في الولايات المتحدة الأميركية وحدها. هذا الرقم ليس بسيطاً، فهو يشكّل أكثر من 10% من القوّة العاملة، ويُسمّى "الاستقالة الكبرى"، إذ يترك الناس وظائفهم بسرعة أكبر من فقدانها أثناء الوباء.



لا يتعلَّق الأمر بنقص الوظائف أو بالركود الاقتصاديّ، بل باتجاه عالمي جديد؛ فهؤلاء الأشخاص الذين يستقيلون من وظائفهم يبدأون أعمالاً جديدة، وينضمّون إلى ما يسمى "اقتصاد الوظائف المؤقتة" الذي تبلغ قيمته تريليون دولار، والذي يقوم على الاستثمار في التجزئة (المتاجر الصغيرة والخدمات الحرة...) أو التوجّه نحو العمل عبر الإنترنت.

ويترافق هذا الاتجاه العالمي، لا الأميركي فقط، مع انتشار مفاهيم التأثير الاجتماعي والفردانية، وإن كان على حساب المضمون، عبر وسائل الإعلام وشبكات التواصل، بغض النظر عما إذا كان التوجه نحو العمل الحرّ مناسباً لجميع الأفراد، في ظل تفاوت مهاراتهم وخبراتهم. وغالبًا ما يتمّ الترويج للاتجاه الجديد انطلاقاً من أنَّ ريادة الأعمال والاستقلالية أمر متاح للجميع.

وقد ساهم صعود العملات الرقمية المشفرة والرموز غير القابلة للاستبدال "NFT"، فضلاً عن تقاسم تطبيقات التواصل أرباحها مع صانعي المحتوى، في تعزيز الحرية المالية لدى الكثيرين، بدافع تحقيق الكسب السريع والتخلص من قيود الوظيفة.

ويتناسب الاتجاه الجديد مع مصالح أصحاب العلامات التجارية الكبرى، الَّذين باتوا يفضّلون التعامل مع مؤثرين اجتماعيين بدلاً من عقد صفقات مع شركات إعلانية. ويُعدّ المؤثرون، ممن يمتلكون أقلّ من 100 ألف متابع، الخيار الأفضل بالنسبة إلى العلامات التجارية التي تستهدف شرائح محددة.

وفي هذا السّياق، أظهر استطلاع لمصلحة الشركة المصنعة للعبة الافتراضية "Game of Life"، التي تحاكي في مراحلها حياة الإنسان الحقيقية، أنّ 7% من 900 ألف شخص يختارون التحوّل إلى مؤثرين اجتماعيين أثناء اللعب.

ويجني المؤثرون الاجتماعيون في الولايات المتحدة ما معدّله 3 آلاف دولار أميركي شهرياً من الحسابات المتوسطة، أي تلك التي يتابعها عشرات الآلاف، في حين يرتفع المعدل إلى 15 ألف دولار أميركي شهرياً للمؤثرين الذين يتابعهم مليون مستخدم.

وإضافةً إلى الميل نحو الكسب السريع، تُظهر الإحصائيات التي أجرتها مجموعة "جينيوس" الأميركيَّة أن عوامل أخرى تؤثر في "الاستقالة الكبرى" وترك الوظائف الثابتة، مثل عدد ساعات العمل ومرونتها والقدرة على تحقيق التوازن بين العمل والعائلة.

وكان لافتاً في إحصاء المجموعة الأميركية أنّ 54% ممن شملهم الاستطلاع، واختاروا الحفاظ على وظائفهم التقليدية، يفضلون العمل من المنزل، حتى بعد انتهاء جائحة "كورونا".